محمد باقر الملكي الميانجي

27

مناهج البيان في تفسير القرآن

آية متشابهة وبإرجاعها إلى قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » [ الشورى / 11 ] وقوله تعالى : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » [ الأنعام / 103 ] ، يتبيّن أنّ المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسّيّ ، وقد قال تعالى : « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » إلى أن قال : « لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى » [ النجم / 18 ] فأثبت للقلب رؤية تخصّه ، وليس هو الفكر فإنّ الفكر إنّما يتعلّق بالتصديق والمركّب الذهنيّ ، والرّؤية إنّما تتعلّق بالمفرد العينيّ فيتبيّن بذلك أنّه توجّه من القلب ليست بالحسّيّة المادّيّة ولا بالعقليّة الذهنيّة . والأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات . » أقول : فيه ، أوّلا : إنّ الأمومة والاصالة للمحكمات أجنبيّة عن معنى الفرعيّة والمفسريّة بالكليّة . وثانيا : لا تناسب بين رؤية الآيات وبين النّظر إلى ذاته المقدسة . فتفسير النّظر بالرؤية في الآيتين مجازفة واضحة . وثالثا : إنّه لا إشكال في أنّ المتشابه ما يقابل المحكم . ولا إشكال في حجّيّة المحكم عند أحد من أهل العلم ، وكذلك في حجّيّة الظواهر عند المحقّقين ، وأمّا المتشابه هو الّذي لم ينعقد له ظهور فلا موضوع للحجّيّة فيه أصلا ، وردّ المتشابه إلى المحكم ليس إلّا لإبطال الظهور البدوي لا لتعيين المراد من المتشابه ، وليست المحكمات قرينة عرفيّة منفصلة لتعيين المرادات من المتشابهات مثلا قوله تعالى : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ . . . » في مقام تنزيهه تعالى عن رؤية الأبصار وتمجيده تعالى بإدراكه وإحاطته سبحانه بالأبصار ، وليس قرينة عرفيّة بين المخاطبين والمتكلّم على المراد من النظر إليه تعالى . وغاية ما في الباب نفي النظر الحسّي وإثبات إحاطته تعالى وإدراكه النظر الحسّي فلا يكون مدركا بالنّظر الحسّي ولا محاطا به ، وأمّا تعيين المراد من النظر إلى ذاته المقدسة الكريم فالتماسه من الآية مجازفة واضحة . فتلخّص أنّ الغرض الأصيل من المحكمات ليست قرينيّتها للمتشابهات وتفسيرها بل لها شأن آخر أصيل ؛ وهو أنّها أمّ الكتاب وعماده وأصوله . ومن تديّن بها وعمل بها لم يسأل اللّه عنه ولم يؤاخذه بترك المتشابهات . فالعمل بالمحكمات والتديّن بها ومن جملة العمل بها عرض المتشابهات عليها وتحكيمها عليها والسّكوت عنها . والمتشابه لا يصير ظاهرا بردّه إلى المحكم فضلا عن أن يكون محكما ولا بدّ في